لقد ترك أستاذنا سليمان الجوخدار علما شاسعاً و فكراً متميزاً جمع بعضه في كتب ألفها رحمه الله تعالى في حياته، هذه الكتب قياسا على فكره و علمه لا تشكل سوى القليل، هنا أفكار باختصار جمعت منه أحببنا أن تكون بين يدي الجميع لنفعها ولصدقها وعمقها.
1- طريق الملائكة عليهم السلام
الله سبحانه مَنَّ علينا في كتابه الكريم وسُنَّة نبيّه عليه الصلاة والسلام بكنوز من المعلومات لنا نحن البشر عن العالم الخفي وغير المرئي، وهي مهملة إهمالاً تاماً من قِبَلِ كثير من الناس؛ بل وهناك فجوة في التربية الإسلامية حولها؛ ومنها: مسألة الملائكة الكرام عليهم السلام والعلاقة معهم، فهي تغيب عن أذهان الناس جذرياً وليست جزءًا من معادلات تفكيرهم؛ لأن المفهوم السائد عن الملائكة ــ وبأحسن أحواله ــ يأخذ طابعاً محدوداً جداً غير متطور، وليس هناك تركيز عليه؛ بل وأصبح مفهوم الملائكة كأنه خيال وليس واقع وحقيقة.
أما مَنْ ينظر من منظار الحقيقة ليفهم الأمور لا بدًّ له من إدخال الملائكة في حساباته، فهُمْ شيء أساسي في كل ما حولنا، وكل شيء موكَّل فيه ملائكة عليهم السلام، ولهم وجود وحضور في حياة الإنسان، وذلك بترتيب إلهي، والأمر كله أولاً وأخيراً يعود إليه سبحانه.
وقد بدأت العلاقة وثيقة بين الإنسان والملائكة قَبْلَ خلق آدم عليه السلام حين أخبر سبحانه ملائكته : ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾.
وكان جواب الملائكة: ﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ البقرة : [30/02] .
ثم عند خلق آدم أمر سبحانه الملائكةَ أن يسجدوا لآدم.
وعند خلق الإنسان هناك ملائكة موكلة فيه أيضاً؛ فإن النطفة تقع بيد الملك ويسأل ربه سبحانه: هل هي مخلقة أم غير مخلقة؟.
وتستمر المسألة إلى نفخ الروح، ثم الولادة وعلاقة وثيقة مع الإنسان؛ فقد وَكَّل سبحانه ملائكة يحفظونه طوال حياته ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ الرعد : [11/13] (أي: بأمر الله).
وعند الموت، ثم في القبر سؤال الملائكة، وتستمر إلى يوم القيامة ﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ ق : [21/50] .
ثم في الجنة ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ الزمر : [73/39] .
بل حتى وفي النار ﴿ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ ﴾ التحريم : [06/66] .
والملائكة الكرام لهم مهام، وهم موكلون دائماً بأمر من الله سبحانه بكلِّ شيء. فهناك مَلَكٌ للجبال والسحاب، وهناك ملائكة للقرآن الكريم موكَّلة بالسُّور وبالأحرف، وملائكة ترفع الأعمال في يومي الاثنين والخميس،... وغيرهم مما لا يحصى في حياة الإنسان وما حوله من الأرض حتى السموات وتصل إلى حملة العرش عليهم السلام، مما حمل كثير من الكُتَّاب والعلماء إلى إفراد مصنفات وكتب عما جاء في الكتاب والسنة من آيات وأحاديث عنهم.
فهم عليهم السلام مخلوقون من النور؛ والنور غير الضوء، النور: لا مادي وهو بشكل متواصل مرتبط بالعلم ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... ﴾ والهداية .
﴿ ... نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ ... ﴾ النور : [35/24] ؛ وبالتالي الهداية مرتبطة بالنور.
ولكي نعي حقيقة الملائكة الكرام لا بد أن نتجرد عن أنفسنا، وألَّا نسقط عليهم أحوال البشر، حالنا نحن البشر يختلف جذرياً عن حالهم عليهم السلام، ليس عندهم ولادة وطفولة، أو شباب وشيخوخة، هم مختلفون؛ لذا لا ينطبق عليهم أحوال البشر.
فهُم عليهم السلام جديّون وتبعيتهم لله سبحانه مطلقة، رضا الله رضاهم والعكس من ذلك، لا يفهمون المزاح ولا يتذوقونه، ولا يحبون الكلام الذي لا معنى له، والكلمة عندهم لها وزنها، حتى نبرة الصوت لها دورها الأساسي معهم، وحين لا يكون ما يليق بهم ينصرفون ويحضرون عند ذكر الله سبحانه.
لا يحبون من ينظر إليهم ويهتم بهم بل يحبون من يهتم بالله سبحانه، عندهم ذكاء خارق يفوق التصور ولا يمكن أن نقارنه بما عند البشر، ولا يوجد حدود لفهمهم وأي معلومات مهما كانت عالية يفهمونها بسرعة الضوء.
وهم عليهم السلام أنماط مدربون ألَّا يتأثروا بشيءٍ، ولا يرون شيئاً إلا من خلال تجليات الإرادة الإلهية.
يتعلمون ويزدادون علماً بشكل متواصل، وكلما ازدادوا علماً كلما زاد وعيهم لله سبحانه.
أول من تعلم القرآن هم الملائكة ﴿ الرَّحْمَٰنُ • عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴾ [سورة الرحمن] ولو لم يكن الرحمن الذي علم القرآن لكانت الملائكة عند إساءة الأدب مع القرآن الكريم تقع كارثة، لكنه سبحانه بالرحمن علم القرآن ونفهم استغفار حملة العرش: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ غافر : [07/40] .
وبالإجمال: الملائكة موكلون بكل شيءٍ، وبأسرار الصلاة تحضر الملائكة: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ... ﴾ آل عمران : [39/03] .
جاءت الملائكة عند الصلاة :
والطريق المختصر هو طريق الملائكة عليهم السلام، والصلاة هي الطريق المختصر لحضورهم.
2- عبور الحياة الدنيا
عبور الحياة الدنيا وما يترتب عليها من تحول وتغير بشكل متواصل من أساسيات القرآن الكريم وذلك لمخالفة صفات أساسية من صفات الله فهو الكمال المطلق الذي لا يتبدل ولا يتغير وليس كمثله شيء سبحانه وتعالى جل وعلا.
أما الحياة الدنيا وبكل أشكالها فهي دار عبور وتحول والإنسان فيها قال عنه تعالى:
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ
ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ
وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾
غافر : [67/40]
عبور الحياة الدنيا لا بدَّ وأن يكون معه تحوُّل من مخلوق في الرحم، ثم طفل إلى شباب وشيخوخة، ثم خروج إلى عالم الحقيقة الأبدية.
وهذا يشمل نفس الإنسان وجسده وكل مكوناته؛ بل وكل الخلائق على هذه الأرض لها إيقاع بداية ونهاية، وبينهما تحول لما شاءه سبحانه وتعالى لها.
قناعة الإنسان إن بُنيت على أن الحياة الدنيا هي دار عبور عندها يكون حاله ورؤيته لأي حدث يحدث معه أنه حدث عابر، ويعلم تمام العلم أن إلى الله مآله وعودته قائلاً: ﴿ ... إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ البقرة : [156/02]
والنتيجة أنه تعالى يتولى أمر هذا الإنسان:
﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ... ﴾ فصلت : [31/41]
عندما يكون عبور الحياة الدنيا والانتماء إلى العالم الآخر جزءاً أساسياً من قناعة الإنسان، وقد وظف ذلك وبشكل ملموس، جاعلاً منه معياراً لتفكيره ومنظاراً دائماً له في جزئيات حياته اليومية، وكل ما يراه عندها يكون إيمانه في أعلى مستوى.
عبور الحياة الدنيا وما يترتب عليه من تحول وتغير دائم للإنسان ليس شيء نظري ولا حادث عابر؛ بل هو خاصية جعلها الله سبحانه في كل الخلائق؛ لذا كان هذا العبور له أسبابه ونظامه وضوابطه التي تجعل منه تحولاً صحيحاً، وجعل سبحانه أداة فعالة لهذا التحول الصحيح هي الصلاة؛ والتي بدورها تُحوِّل المؤمن بشكل إيجابي وملموس إلى إعادة جدولة وتنظيم وصياغة حياته برمتها، هذا التنظيم بحاجة إلى مرجع، والمرجع المطلق هو الصلاة.
كل الكائنات على هذه الأرض في تحوُّل دائم، والخلق كلهم بتغيّر وتبّدل؛ لذا كل منهم كان له صلاته وتسبيحه كما قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ النور : [31/24]
حتى الملائكة تتطور وتتحسن بوعيهم الدائم لله من خلال ذكرهم وتسبيحهم له سبحانه وتعالى.
الصلاة: هي حركات وأذكار ضمن أوقات معينة مرتبطة بحركة كونية محددة، وميزة الصلاة الصحيحة أنها لا تتم إلا بوقوف مع قراءة القرآن، وحركات مع ذِكرٍ معيّن مخصوص.
وكما أن ذرات أي مادة يمكن إعادة تنظيمها بعدة أشكال من خلال طاقة مناسبة، كذلك تحوّل الإنسان يحتاج إلى تنظيم ومرجع مطلق وفعال ضمن برنامج خاص، ليس روحياً فحسب؛ بل يشمل كل أجزاء جسده ونفسه.
تسارع الزمان وكثرة الملوثات الروحية تختلف كثيراً عمّا سبق، ونفس الإنسان لا بدَّ لها من طاقة إيجابية، ليكون تحوّلها نحو السموِّ والرفعة، ولتمام هذا السمو كانت قراءة القرآن والذكر ضمن نظام الصلاة هو خير طاقة لنفس تسموا؛ لتكون مطمئنة راضية ومرضية.
﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ • ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ الفجر : [27/89-28]
القرآن شامل ونهائي ولا بدَّ منه لكل صلاة، والعبادات في الإسلام فعَّالة ولا غنى عنها لعبور وتحوّل هذا العالم المرتبط بالزمان المتسرع والمكان المتغير، وعندما يعي الإنسان مفهوم التحوّل والعبور تصبح الصلاة وما فيها من أسرار ذات معنى أوسع وأشمل، وتنقل الإنسان إلى عالم الحقيقة الأبدية، وتشعره بعدم انتماءه إلى عالم العبور والتحوّل على أرض، قال عنها سبحانه:
﴿ ... وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ البقرة : [36/02]
هذه الصلاة تبدأ من دائرة صغيرة لإنسان يقف وحده في صلاته، باحثاً عن سموِّ ورفعة نفسه، ولتلتقي مع دوائر لنفس أخرى تسمو وتطلب الشيء نفسه، ثم تلتقي بأخرى وهكذا لتجتمع مع دائرة أوسع وأشمل دائرة النفس الواحدة ﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ... ﴾ الزمر : [06/39]
وهذا ما يفسر أهمية صلاة الجماعة، والأهم الصلاة التي لا تصح إلا مع الجماعة صلاة الجمعة.
وبالتالي: الصلاة الجماعية فرصة لتجتمع أنفس المصلين في نفس واحدة، وترتقي سوية لأخذ طاقة إيجابية وتحول نحو رفعة وتسامي صلاة تبدأ بـ: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ وتختم بذكر لله سبحانه ضمن نظام لمصلين مجتمعين صادقين يتوجهون بصدق للخالق جل وعلا بقولهم: (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ) وكم في تلك التحية من خير لتجتمع هذه الأنفس سوية نحو طاقة سموٍ ورفعةٍ وتكون مطمئنة راضية ومرضية وليعم خيرها بدائرة أوسع تصل إلى بشرية أوجدها سبحانه أصلاً من نفس واحدة.
صلاة الجماعة هي المجال الأمثل لتغذية أفكار هدفها محدد، حيث من خلالها يمكن تغذية أفكار فيها كل الخير للآخرين؛ لأن أنفس المصلين عندما تجتمع في نفس واحدة و زمان ومكان مخصص وهدف محدد، يكون فيها من القوة والأثر ما يكفي لتصل إلى أبعد وأوسع دوائر البشرية، وكم يكسب المؤمن إن ركَّز، وكمّ هو أكثر قوة وفعالية إن كان ضمن مجموعة تتوجه بصدق وتركيز على الفكرة نفسها والهدف نفسه، عندما تتوجه لله سبحانه طالبة لها ولغيرها أن يكون عبورها وتحوّلها في هذا العالم ضمن ومن خلال الطريق الذي أنعم الله به على عباده:
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ • غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة]
3- العبرة في الوعي و الإشكال في الغفلة
يوم القيامة يعطي معنىً لكلِّ حَدَثٍ في حياتنا الدنيا، و يأخذ هذا الحدث معناه ويكتمل في ذلك اليوم؛ حيث يصل الإنسان فيه إلى مرحلة عالية من الوعي؛ ليفهم هناك الأمور على حقيقتها.
يوم القيامة هو ذروة وعي الإنسان حيث يبعث مباشرة بلحظة واحدة بكامل وعيه، دون المرور بالولادة والطفولة، ثم الشباب والشيخوخة، كما هو الحال في الحياة الدنيا.
ولا يكتمل أي حدث يحدث مع الإنسان في هذه الدنيا إلا هناك؛ حيث يعي ويفهم تماماً العبرة منه.
سبحانه القادر المقتدر الذي خلق الكون في ستة أيام جعل يوم القيامة يوماً واحداً، وهذا للتأمل؛ وهي فلسفة عليا.
يوم الحساب يعلم الإنسان لماذا تتلاشى كل الخلائق وتنتهي ثم تعود ثانية، ولماذا انتهى كل شيء ليعود من جديد، وحكمته سبحانه من الإيجاد والعدم؟
﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ الروم : [ 11/30 ]
الوعي هو علم لذا أهم شيء في الحياة الدنيا: أن يكون الإنسان واعياً؛ لأن الوعي هو شرط التكليف أي الحساب يوم القيامة، وكل عاقل مكلف مثل الإنس والجن. أما الذي يفقد وعيه يسقط تكليفه ولا يحاسب.
قال تعالى : ﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ الحاقة : [ 12/69 ]
المهم أن نعي هنا في حياتنا الدنيا يوم الوعيد قبل فوات الأوان، ونتحرر من الغفلة التي نعيشها قال تعالى:
﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ • وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ • لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ ق : [ 20/50-22 ]
4- المجردات والأمور الحسية
أي فكرة مجردة يحاول الإنسان التعبير عنها بأشكال هندسية ورقمية، والتجرد والمجردات فكرياً أرقى بكثير من الأمور الحسية؛ لأن العقل البشري هو الوحيد بين كل الكائنات الذي يفهم شكلاً مجرداً، ومثالها أشكال الخطوط لوجه (الكاريكاتير مثلاً) لا يمكن إلا لإنسان عاقل أن يعرف صاحب هذا الوجه، بينما الوجه ذاته إن كان صورة ثلاثية الأبعاد يمكن أن يتعرف عليه كائن غير بشري.
الإسلام ذروة تقدم الفكر البشري وهو المستوى الأخير للحضارة البشرية، وذلك من خلال المجردات وهي السمة الأساسية فيه.
الإسلام هو دين يرفع الفكر باتجاه المجردات، ومسألة التجرد مسألة مركزية فيه؛ لأن محور هذا الدين هو الذات الإلهية، وهي أقصى ما يمكن أن تسموا إليه النفس البشرية من التجرد؛ ذلك لأن الذات الإلهية هي الفكرة المركزية التي يقوم عليها الإسلام، ولا يمكن التعبير عنها بأي شكل بياني أو رمزي، ومفهوم الذات الإلهية في الإسلام هو أقصى ما يمكن للعقل البشري أن ينظر إليه بالتجرد دون تجسيده بصورة أو شكل ما، ولا يمكن التعبير عن هذه الفكرة بأي شيء كائناً ما كان.
وترى المسلمين جميعهم يتوجهون إلى الله سبحانه بتجرد تام وإيمان عميق بأنه سبحانه :
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ • هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ الحشر : [ 23/59-24 ]
5- البحث عن بيت القصيد
من المميِّزِ للإسلام ــ والقرآن الكريم خاصة ــ هو تسليط الأضواء على المركزي وليس على التفاصيل الجزئية.
عموماً كل التفاصيل تشترك بأنها لا تحتاج إلى عمل دماغي، ويمكن التعبير عنها بشكل بسيط؛ وهي ما يبحث عنه العامّة من المسلمين.
بينما البحث عن الجوهر وعن روح الإسلام يتطلب قدرة على المقارنة والاستنتاج؛ وبالتالي يصعب ذلك على العامة.
البحث عن الجوهر أساسي لتطبيق الإسلام، وهذا أولاً، ثم لحسن تقديم الإسلام علينا أن نقدم الإسلام من خلال الجوهر وهذا ثانياً، أما تقديم الإسلام من خلال التفاصيل فهو عدم أمانة فكرية، وليس تقديم للإسلام بل إساءة له.
والقدوة هو سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم كان إن سأله أحدهم عن الإسلام أعطاه الجوهر وليس التفاصيل.
مثلاً: فكرة الذنب يمكن تقديمها على أن كرامة الإنسان في الإسلام هي شيء أساسي والذنوب في نهايتها، تشترك بعامل واحد هو الذل.
وعلى المدى البعيد كل شيء ينافي كرامة الإنسان محرَّم وينافي عزة وكرامة الإنسان؛ بالتالي حين يفهم الإنسان ذلك يطبق تعاليم الإسلام على أنها عزَّة ورفعة، لا على أنها أوامر تأسره وتعرقل حياته.
والإنسان في الإسلام عزيز فكيف يدخل مادة خسيسة تسيء إلى صحته على جسم عزيز خلقه سبحانه وكرمه على جميع المخلوقات.
إن عرفنا جوهر الإسلام أصبح لدينا معيار مطلق لكل الأمور، وليس هناك شيء غير واضح؛ لذا كانت أسئلة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة جوهرية أساسية وليس تفصيلية وعندهم معيار، وأصل يقيسون عليه وكان همهم دائماً الوصول إلى الجوهر و بيت القصيد.
يمكنكم تحميل الأفكار [ الإصدار الثاني ] بصيغة ملف PDF من خلال الرابط التالي «من فكر سليمان سامي الجوخدار»